ابن كثير
260
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وهو مناجز قرنه » . وقوله : اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى أي تمرد وعتا وتجبر على اللّه وعصاه فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى هذه الآية فيها عبرة عظيمة ، وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار وموسى صفوة اللّه من خلقه إذ ذاك ، ومع هذا أمر أن لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين ، كما قال يزيد الرقاشي عند قوله : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً : [ رجز ] يا من يتحبب إلى من يعاديه * فكيف بمن يتولاه ويناديه ؟ وقال وهب بن منبه : قولا له إني إلى العفو والمغفرة أقرب مني إلى الغضب والعقوبة . وعن عكرمة في قوله : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال : لا إله إلا اللّه ، وقال عمرو بن عبيد عن الحسن البصري فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً أعذرا إليه قولا له : إن لك ربا ولك معادا ، وإن بين يديك جنة ونارا ، وقال بقية عن علي بن هارون عن رجل عن الضحاك بن مزاحم عن النزال بن سبرة عن علي في قوله فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً قال : كنه ، وكذا روي عن سفيان الثوري : كنه بأبي مرة ، والحاصل من أقوالهم أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين سهل رقيق ، ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع ، كما قال تعالى : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النحل : 125 ] . وقوله : لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي لعله يرجع عما هو فيه من الضلال والهلكة ، أو يخشى أي يوجد طاعة من خشية ربه ، كما قال تعالى : لمن أراد أن يذكر أو يخشى ! « 1 » فالتذكر الرجوع عن المحذور ، والخشية تحصيل الطاعة ، وقال الحسن البصري : لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى يقول : لا تقل أنت يا موسى وأخوك هارون أهلكه قبل أن أعذر إليه ، وهاهنا نذكر شعر زيد بن عمرو بن نفيل ، ويروى لأمية بن أبي الصلت فيما ذكره ابن إسحاق : [ الطويل ] وأنت الذي من فضل منّ ورحمة * بعثت إلى موسى رسولا مناديا « 2 » فقلت له : فاذهب وهارون فادعوا * إلى اللّه فرعون الذي كان باغيا فقولا له : هل أنت سويت هذه * بلا وتد حتى استقلت كما هيا وقولا له : آ أنت رفعت هذه * بلا عمد أرفق إذن بك بانيا وقولا له : آ أنت سويت وسطها * منيرا إذا ما جنه الليل هاديا وقولا له : من يخرج الشمس بكرة * فيصبح ما مسّت من الأرض ضاحيا وقولا له : من ينبت الحب في الثرى * فيصبح منه البقل يهتز رابيا ويخرج منه حبة في رؤوسه ؟ * ففي ذاك آيات لمن كان واعيا وقوله عز وجل :
--> ( 1 ) هذه ليست آية ، وهي مزيج من آيتين الأولى : لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً [ الفرقان : 62 ] ، والثانية : سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى [ الأعلى : 10 ] . ( 2 ) الأبيات في سيرة ابن هشام 1 / 288 .